فصل: تفسير الآية رقم (39):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (23):

{يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ}.
قَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: {لَا لَغْوَ} بِالْبِنَاءِ عَلَى الْفَتْحِ، {وَلَا تَأْثِيمَ} كَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْسِ فَبُنِيَتْ مَعَهَا، وَهِيَ إِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ؛ نَصٌّ فِي الْعُمُومِ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ. لِأَنَّ لَا النَّافِيَةَ لِلْجِنْسِ إِذَا تَكَرَّرَتْ كَمَا هُنَا جَازَ إِعْمَالُهَا وَإِهْمَالُهَا، وَالْقِرَاءَتَانِ فِي الْآيَةِ فِيهِمَا الْمِثَالُ لِلْوَجْهَيْنِ، وَإِعْمَالُهَا كَثِيرٌ، وَمِنْ شَوَاهِدِ إِهْمَالِهَا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَمَا هَجَرْتُكِ حَتَّى قُلْتِ مُعْلِنَةً ** لَا نَاقَةٌ لِي فِي هَذَا وَلَا جُمَلٌ

وَقَوْلُهُ: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا}: أَيْ يَتَعَاطَوْنَ، وَيَتَنَاوَلُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. {كَأْسًا} أَيْ خَمْرًا، فَالتَّنَازُعُ يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى كُلِّ تَعَاطٍ وَتَنَاوُلٍ، فَكُلُّ قَوْمٍ يُعْطِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا شَيْئًا وَيُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ، فَهُمْ يَتَنَازَعُونَهُ كَتَنَازُعِ كُئُوسِ الشَّرَابِ وَالْكَلَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَمِنْهُ فِي الشَّرَابِ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:
وَشَارِبٌ مُرْبِحٌ بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي ** لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ

نَازَعْتُهُ طَيِّبَ الرَّاحِ الشُّمُولِ وَقَدْ ** صَاحَ الدَّجَاجُ وَحَانَتْ وَقْعَةُ السَّارِ

فَقَوْلُهُ: نَازَعْتُهُ طَيِّبَ الرَّاحِ: أَيْ نَاوَلْتُهُ كُئُوسَ الْخَمْرِ وَنَاوَلْنِيهَا، وَمِنْهُ فِي الْكَلَامِ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وَلِمَّا تَنَازَعْنَا الْحَدِيثَ وَأَسْمَحَتْ ** هَصَرَتْ بِغُصْنٍ ذِي شَمَارِيخَ مَيَّالِ

وَالْكَأْسُ تُطْلَقُ عَلَى إِنَاءِ الْخَمْرِ، وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تُطْلِقُ الْكَأْسَ إِلَّا عَلَى الْإِنَاءِ الْمَمْلُوءِ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ يَعْنِي أَنَّ خَمْرَ الْجَنَّةِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيهَا مُخَالِفَةٌ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ لِخَمْرِ الدُّنْيَا، فَخَمْرُ الْآخِرَةِ لَا لَغْوَ فِيهَا، وَاللَّغْوُ كُلُّ كَلَامٍ سَاقِطٍ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَخَمْرُ الْآخِرَةِ لَا تَحْمِلُ شَارِبِيهَا عَلَى الْكَلَامِ الْخَبِيثِ وَالْهَذَيَانِ، لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي عُقُولِهِمْ بِخِلَافِ خَمْرِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَشْرَبُوهَا سَكِرُوا وَطَاشَتْ عُقُولُهُمْ، فَتَكَلَّمُوا بِالْكَلَامِ الْخَبِيثِ وَالْهَذَيَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّغْوِ.
وَالتَّأْثِيمُ: هُوَ مَا يُنْسَبُ بِهِ فَاعِلُهُ إِلَى الْإِثْمِ، فَخَمْرُ الْآخِرَةِ لَا يَأْثَمُ شَارِبُهَا بِشُرْبِهَا، لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ، فَنَعِمَ بِلَذَّتِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} [47/ 15]، وَلَا تَحْمِلُ شَارِبَهَا عَلَى أَنْ يَفْعَلَ إِثْمًا بِخِلَافِ خَمْرِ الدُّنْيَا، فَشَارِبُهَا يَأْثَمُ بِشُرْبِهَا وَيَحْمِلُهُ السُّكْرُ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُحْرِمَاتِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالْقَذْفِ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ مُخَالَفَةِ خَمْرِ الْآخِرَةِ لِخَمْرِ الدُّنْيَا، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [37/ 45- 47]، وَقَوْلِهِ: لَا فِيهَا غَوْلٌ: أَيْ لَيْسَ فِيهَا غَوْلٌ يَغْتَالُ الْعُقُولَ فَيُذْهِبُهَا كَخَمْرِ الدُّنْيَا. وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ: أَيْ لَا يَسْكَرُونَ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ} [56/ 17- 19]،
وَقَوْلُهُ: {لَا يُصَدَّعُونَ} أَيْ لَا يُصِيبُهُمُ الصُّدَاعُ الَّذِي هُوَ وَجَعُ الرَّأْسِ بِسَبَبِهَا.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَاتِ فِي صِفَةِ خَمْرِ الْآخِرَةِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ لِخَمْرِ الدُّنْيَا، وَذَكَرْنَا الشَّوَاهِدَ الْعَرَبِيَّةَ فِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الْآيَةَ [5/ 90].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ: {غِلْمَانٌ} جَمْعُ غُلَامٍ، أَيْ خَدَمٌ لَهُمْ، وَقَدْ قَدَّمْنَا إِطْلَاقَاتِ الْغُلَامِ وَشَوَاهِدَهَا الْعَرَبِيَّةَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [15/ 53].
وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَا يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَذَكَرَ هُنَا حُسْنَهُمْ بِقَوْلِهِ: كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ فِي أَصْدَافِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي صَفَائِهِ وَحُسْنِهِ، وَقِيلَ: {مَكْنُونٌ} أَيْ مَخْزُونٍ لِنَفَاسَتِهِ، لِأَنَّ النَّفِيسَ هُوَ الَّذِي يُخْزَنُ وَيُكَنُّ.
وَبَيَّنَ تَعَالَى فِي الْوَاقِعَةِ بَعْضَ مَا يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} [56/ 17- 18]، وَزَادَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَوْنَهُمْ مُخَلَّدِينَ، وَذَكَرَ بَعْضَ مَا يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} [76/ 15- 16]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} [76/ 15- 16].
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاعِلَ الْمَحْذُوفَ فِي قَوْلِهِ: وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ فِي آيَةِ الزُّخْرُفِ وَالْإِنْسَانِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُوَ الْغِلْمَانُ الْمَذْكُورُونَ فِي الطُّورِ وَالْوَاقِعَةِ، وَذَكَرَ بَعْضَ صِفَاتِ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ فِي الْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} [76/ 19].

.تفسير الآيات (26-27):

{قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُمْ يَقُولُ لِلسَّائِلِ: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ أَيْ فِي دَارِ الدُّنْيَا فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ أَيْ خَائِفِينَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَنَحْنُ بَيْنَ أَهْلِنَا أَحْيَاءٌ: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} أَيْ أَكْرَمَنَا، وَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنْهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَهَدَانَا، وَوَفَّقَنَا فِي الدُّنْيَا وَوَقَانَا فِي الْآخِرَةِ عَذَابَ السَّمُومِ، وَالسَّمُومُ النَّارُ وَلَفْحُهَا وَوَهَجُهَا، وَأَصْلُهُ الرِّيحُ الْحَارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ الْمَسَامَّ، وَالْجَمْعُ سَمَائِمُ. وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ:
أَنَامِلُ لَمْ تَضْرِبْ عَلَى الْبُهْمِ بِالضُّحَى ** بِهِنَّ وَوَجْهٌ لَمْ تَلُحْهُ السَّمَائِمُ

وَقَدْ يُطْلَقُ السَّمُومُ عَلَى الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الْبَرْدِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
الْيَوْمُ يَوْمٌ بَارِدٌ سَمُومُهُ مَنْ جَزِعَ الْيَوْمَ فَلَا أَلُومُهُ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ هِيَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ الْإِشْفَاقَ الَّذِي هُوَ الْخَوْفُ الشَّدِيدُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا سَبَبٌ لِلسَّلَامَةِ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ- يُفْهَمُ مِنْ دَلِيلِ خِطَابِهِ، أَعْنِي مَفْهُومَ مُخَالَفَتِهِ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ بِمَنْطُوقِهَا وَمَفْهُومِهَا جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ. فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ السُّرُورَ فِي الدُّنْيَا وَعَدَمَ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ سَبَبُ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} الْآيَةَ [84/ 10- 14].
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي مَسْلَكِ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ أَنَّ إِنَّ الْمَكْسُورَةَ الْمُشَدَّدَةَ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، فَقَوْلُهُ: إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا.
وَالْمَسْرُورُ فِي أَهْلِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَيْسَ بِمُشْفِقٍ وَلَا خَائِفٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: ظَنَّ أَنْ لَنْ يَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ حَيًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُبْعَثُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَكُونُ مُشْفِقًا فِي أَهْلِهِ خَوْفًا مِنَ الْعَذَابِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ. وَكَوْنُ: {لَنْ يَحُورَ} بِمَعْنَى لَنْ يَرْجِعَ- مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُهَلْهَلِ بْنِ رَبِيعَةَ التَّغْلَبِيِّ:
أَلَيْلَتَنَا بِذِي حَسْمٍ أَنِيرِي ** إِذَا أَنْتِ انْقَضَيْتِ فَلَا تَحُورِي

فَقَوْلُهُ: فَلَا تَحُورِي، أَيْ فَلَا تَرْجِعِي.
وَقَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيِّ:
وَمَا الْمَرْءُ إِلَّا كَالشِّهَابِ وَضَوْئِهِ ** يَحُورُ رَمَادًا بَعْدَ مَا هُوَ سَاطِعٌ

أَيْ يَرْجِعُ رَمَادًا، وَقِيلَ: يَصِيرُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} الْآيَةَ [56/ 41- 47]، لِأَنَّ تَنَعُّمَهُمْ فِي الدُّنْيَا الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ: مُتْرَفِينَ، وَإِنْكَارَهُمْ لِلْبَعْثِ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا الْآيَةَ- دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ إِشْفَاقِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ عِلَّةُ كَوْنِهِمْ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّ إِنَّ الْمَكْسُورَةَ الْمُشَدَّدَةَ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} الْآيَةَ- عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ الْآيَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ الْإِشْفَاقَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَنْطُوقُ آيَةِ الطُّورِ هَذِهِ، قَالَ تَعَالَى فِي الْمَعَارِجِ: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ إِلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ الْآيَاتِ} [27/ 35]، وَذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} إِلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [23/ 57- 61]، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [56/ 10- 12].
وَقَوْلُهُ فِي آيَةِ الْوَاقِعَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ، أَيْ يُدِيمُونَ وَيَعْزِمُونَ عَلَى الذَّنْبِ الْكَبِيرِ، كَالشِّرْكِ وَإِنْكَارِ الْبَعْثِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحِنْثِ حِنْثُهُمْ فِي الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} [16/ 38].

.تفسير الآيات (29-30):

{فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ}.
نَفَى اللَّهُ- جَلَّ وَعَلَا- عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ ثَلَاثَ صِفَاتٍ قَبِيحَةٍ عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَاهُ بِهَا الْكُفَّارُ، وَهِيَ الْكِهَانَةُ وَالْجُنُونُ وَالشِّعْرُ، أَمَّا دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ كَاهِنٌ أَوْ مَجْنُونٌ، فَقَدْ نَفَاهَا صَرِيحًا بِحَرْفِ النَّفْيِ الَّذِي هُوَ مَا فِي قَوْلِهِ: فَمَا أَنْتَ وَأُكِّدَ النَّفْيُ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: بِكَاهِنٍ وَأَمَّا كَوْنُهُ شَاعِرًا فَقَدْ نَفَاهُ ضِمْنًا بِأَمِ الْمُنْقَطِعَةِ فِي قَوْلِهِ: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ، لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْإِضْرَابِ وَالْإِنْكَارِ الْمُتَضَمِّنِ مَعْنَى النَّفْيِ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ بِنَفْيِ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي نَفْيِ الْجُنُونِ عَنْهُ فِي أَوَّلِ الْقَلَمِ: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [68/ 2]، وَقَوْلِهِ فِي التَّكْوِيرِ: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [81/ 22]، وَكَقَوْلِهِ فِي نَفْيِ الصِّفَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ أَعْنِي الْكِهَانَةَ وَالشِّعْرَ: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [69/ 41- 42]، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ وَغَيْرِهَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [52/ 30]، أَيْ نَنْتَظِرُ بِهِ حَوَادِثَ الدَّهْرِ، حَتَّى يَحْدُثَ لَهُ مِنْهَا الْمَوْتُ، فَالْمَنُونُ: الدَّهْرُ، وَرَيْبُهُ: حَوَادِثُهُ الَّتِي يَطْرَأُ فِيهَا الْهَلَاكُ وَالتَّغْيِيرُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الدَّهْرَ هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:
أَمِنَ الْمَنُونِ وَرَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ** وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ

لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَرَيْبِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنُونَ الدَّهْرُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْآخَرِ:
تَرَبَّصْ بِهَا رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّهَا ** تُطَلَّقُ يَوْمًا أَوْ يَمُوتُ حَلِيلُهَا

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمَنُونُ فِي الْآيَةِ الْمَوْتُ، وَإِطْلَاقُ الْمَنُونِ عَلَى الْمَوْتِ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي الْغَوْلِ الطُّهَوِيِّ:
هُمْ مَنَعُوا حِمَى الْوَقْبَى بِضَرْبٍ ** يُؤَلَّفُ بَيْنَ أَشْتَاتِ الْمَنُونِ

لِأَنَّ الَّذِينَ مَاتُوا عِنْدَ ذَلِكَ الْمَاءِ الْمُسَمَّى بِالْوَقْبَى، جَاءُوا مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمْ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ، وَلَوْ مَاتُوا فِي بِلَادِهِمْ لَكَانَتْ مَنَايَاهُمْ فِي بِلَادٍ شَتَّى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}.
قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الْآيَةَ [2/ 23]، وَفِي سُورَةِ يُونُسَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الْآيَةَ [10/ 3 8].
وَتَحَدَّاهُمْ فِي سُورَةِ هُودٍ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الْآيَةَ [11/ 13].
وَتَحَدَّاهُمْ فِي سُورَةِ الطُّورِ هَذِهِ بِهِ كُلِّهِ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ الْآيَةَ.
وَبَيَّنَ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} الْآيَةَ [17/ 88].
وَقَدْ أَطْلَقَ- جَلَّ وَعَلَا- اسْمَ الْحَدِيثِ عَلَى الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ هُنَا: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ كَمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} الْآيَةَ [39/ 23]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} الْآيَةَ [12/ 111].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْآيَاتِ الْمُشَابِهَةِ لَهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [19/ 78].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} الْآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْآيَاتِ الْمُشَابِهَةِ لَهُ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا} الْآيَةَ [15/ 16- 17].

.تفسير الآية رقم (39):

{أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [16/ 57]، وَفِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مُتَعَدِّدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ فِي سُورَةِ هُودٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا} الْآيَةَ [11/ 29].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} الْآيَةَ [6/ 7]، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}.
بَيَّنَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَيْدَ الْكُفَّارِ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا فِي الْآخِرَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} [77/ 38- 39].
وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ} [52/ 42]، وَقَوْلِهِ: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا} الْآيَةَ [86/ 15- 16]، وَقَوْلِهِ: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [7/ 182- 183]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

.تفسير الآية رقم (47):

{وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.
الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ هُوَ مَا عُذِّبُوا بِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا مِنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ.
كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} الْآيَةَ [32/ 21]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [9/ 14]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَمَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا لَا يَتَّجِهُ عِنْدِي. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

.سُورَةُ النَّجْمِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

.تفسير الآية رقم (1):

{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا النَّجْمِ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِهِ النَّجْمُ إِذَا رُجِمَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الثُّرَيَّا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَلَفْظَةُ النَّجْمِ عَلَمٌ لِلثُّرَيَّا بِالْغَلَبَةِ، فَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تُطْلِقُ لَفْظَ النَّجْمِ مُجَرَّدًا إِلَّا عَلَيْهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ:
أَقُولُ وَالنَّجْمُ قَدْ مَالَتْ أَوَاخِرُهُ ** إِلَى الْمَغِيبِ تَثَبَّتْ نَظْرَةً حَارِ

فَقَوْلُهُ: وَالنَّجْمِ: يَعْنِي الثُّرَيَّا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذَا هَوَى}: أَيْ سَقَطَ مَعَ الصُّبْحِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: النَّجْمُ الزَّهْرَةُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّجْمِ نُجُومُ السَّمَاءِ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْمُفْرَدِ وَإِرَادَةِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [54/ 45]، يَعْنِي الْأَدْبَارَ. وَقَوْلُهُ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [89/ 22]، أَيِ: الْمَلَائِكَةُ، وَقَوْلُهُ: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} [25/ 75]، أَيِ الْغُرَفَ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَمْثِلَةً كَثِيرَةً لِهَذَا فِي الْقُرْآنِ، وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [22/ 5]، وَإِطْلَاقُ النَّجْمِ مُرَادًا بِهِ النُّجُومَ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّهَا قُلْتُ بَهْرًا ** عَدَدَ النَّجْمِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ

وَقَوْلُ الرَّاعِي:
فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ فِي مُسْتَحِيرَةٍ ** سَرِيعٍ بِأَيْدِي الْآكِلِينَ جُمُودُهَا

وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَمَعْنَى هُوِيِّ النُّجُومِ سُقُوطُهَا إِذَا غَرَبَتْ أَوِ انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: النَّجْمُ النَّبَاتُ الَّذِي لَا سَاقَ لَهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمُرَادُ بِالنَّجْمِ الْجُمْلَةُ النَّازِلَةُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْجُمًا مُنَجَّمًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكُلُّ جُمْلَةٍ مِنْهُ وَقْتَ نُزُولِهَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا اسْمُ النَّجْمِ صِدْقًا عَرَبِيًّا صَحِيحًا كَمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا حَانَ وَقْتُهُ مِنَ الدِّيَةِ الْمُنَجَّمَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْكِتَابَةِ الْمُنَجَّمَةِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ.
وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: إِذَا هَوَى أَيْ نَزَلَ بِهِ الْمَلَكُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْلُهُ: هَوَى يَهْوِي هُوِيًّا إِذَا اخْتَرَقَ الْهَوَا نَازِلًا مِنْ أعَلَى إِلَى أَسْفَلَ.
اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ الثُّرَيَّا وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّجْمِ خُصُوصُهَا، وَإِنِ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ- لَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّجْمَ يُرَادُ بِهِ النُّجُومُ. وَإِنْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعُهُ تَعَالَى لِلنُّجُومِ فِي الْقَسَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [56/ 75]، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّجْمِ إِذَا هَوَى هُنَا كَالْمُرَادِ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ فِي الْوَاقِعَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي الْمُرَادِ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مَسَاقِطُهَا إِذَا غَابَتْ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنَازِلُهَا فِي السَّمَاءِ، لِأَنَّ النَّازِلَ فِي مَحِلٍّ وَاقِعٍ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مَوَاقِعُ نُجُومِ الْقُرْآنِ النَّازِلِ بِهَا الْمَلَكُ إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي وَأَقْرَبُهَا لِلصَّوَابِ فِي نَظَرِي- أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّجْمِ إِذَا هَوَى هُنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَبِمَوَاقِعِ النُّجُومِ فِي الْوَاقِعَةِ هُوَ نُجُومُ الْقُرْآنِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْمَلَكُ نَجْمًا فَنَجْمًا، وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّجْمِ إِذَا هَوَى الَّذِي هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَقٍّ وَأَنَّهُ مَا ضَلَّ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى- مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى لِمَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ إِلَى قَوْلِهِ: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [56/ 77- 80].
وَالْإِقْسَامُ بِالْقُرْآنِ عَلَى صِحَّةِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى صِدْقِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [36/ 1- 5]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [43/ 1- 4]، وَخَيْرُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْقُرْآنُ الْقُرْآنُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ الْمُقْسَمِ بِهِ الْمُعَبَّرِ بِالنُّجُومِ هُوَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ- أَنْسَبُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [56/ 76]، لَأَنَّ هَذَا التَّعْظِيمَ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَقْسَمَ بِهِ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ أَنْسَبُ لِذَلِكَ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ وَنَجْمِ الْأَرْضِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الضَّلَالُ يَقَعُ مِنَ الْجَهْلِ بِالْحَقِّ، وَالْغَيُّ هُوَ الْعُدُولُ عَنِ الْحَقِّ مَعَ مَعْرِفَتِهِ، أَيْ مَا جَهِلَ الْحَقَّ وَمَا عَدَلَ عَنْهُ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالْحَقِّ مُتَّبِعٌ لَهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا إِطْلَاقَاتِ الضَّلَالِ فِي الْقُرْآنِ بِشَوَاهِدِهَا الْعَرَبِيَّةِ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [26/ 20]، وَفِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ} الْآيَةَ [18/ 103- 104].
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ- جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [27/ 79]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} [22/ 67]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [42/ 52].
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِهَذَا فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [43/ 43]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى اسْتَدَلَّ بِهِ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَجْتَهِدُ، وَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ الِاجْتِهَادُ، اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} الْآيَةَ [9/ 43] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} الْآيَةَ [8/ 67]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} الْآيَةَ [9/ 113].
قَالُوا: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا عَنِ اجْتِهَادٍ، لَمَا قَالَ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ الْآيَةَ. وَلَمَا قَالَ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْآيَاتِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ إِلَّا شَيْئًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَهُ، فَمَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ شِعْرٌ أَوْ سِحْرٌ أَوْ كِهَانَةٌ أَوْ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ- هُوَ أَكْذَبُ خَلْقِ اللَّهِ وَأَكْفَرُهُمْ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَذِنَ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَأَسَرَ الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، وَاسْتَغْفَرَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ غَيْرِ أَنَّ يَنْزِلَ عَلَيْهِ وَحْيٌ خَاصٌّ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.